فخر الدين الرازي
381
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والولاة ، والربيون الرعية ، وهم المنتسبون إلى الرب . واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيون نوعين : أولا بصفات النفي ، وثانيا بصفات الإثبات ، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى : فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ، قال صاحب « الكشاف » : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار ، عند الإرجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد اللّه بن أبي ، وطلب الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو أن الوهن ضعف يلحق القلب . والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، قال الواحدي : الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق اللّه ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فإن اللّه يحبه ، ومحبة اللّه تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه وتعظيمه ، والحكم له بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب . ثم إنه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 147 ] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : وَثَبِّتْ أَقْدامَنا يدل على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى ، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف . المسألة الثانية : بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب / الأمداد والإعانة من اللّه ، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل ، ومن اعتصم باللّه فاز بالمطلوب ، قال القاضي : إنما قدموا قولهم : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين ، فإذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو ، دل ذلك ظاهراً على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ، فبين تعالى أنهم بدءوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا فدخل فيه كل الذنوب ، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر ، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله : وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه ، قال تعالى : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الزمر : 53 ] وقال : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [ الإسراء : 33 ] وقال : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف : 31 ] ويقال : فلان مسرف إذا كان مكثرا في النفقة وغيرها ، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم ، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم ، وإزالة الخواطر